Welcome Guest Login or Signup
INVITE | FLASHCHAT | INSTANT MESSENGER | BOOKMARK
| LANGUAGE:
 
FORUM
New Posts | My Topics | Profile Forum | User Settings | Subscriptions
Post Reply
أم سعد غسان كنفاني
Total Views: 198 - Total Replies: 5
Jan 19 2009, 9:59 am - By nagham

Private Message


أم سعد تقول :


 خيمة عن خيمة تفرق !




رواية غسان كنفاني


 


أم سعد ، المرأة التي عاشت مع أهلي في "الغبسية " سنوات لا يحصيها العد ، والتي عاشت ، بعد ، في مخيمات التمزق سنوات لا قبل لأحد يحملها على كتفيه ، ما تزال تأتي لدارنا كل يوم ثلاثاء : تنظر  إلى الأشياء شاعرة حتى أعماقها بحصتها فيها ، تنظر إلي كما لابنها ، تفتح امام أذني قصة تعاستها وقصة فرحها وقصة تعبها ، ولكنها أبداً لا تشكو .


 إنها سيدة في سن الأربعين ، كما يبدو لي ، قوية كما لايستطيع الصخر ، صبورة كما لا يطيق الصبر ، تقطع أيام الأسبوع جيئة وذهاباً ، تعيش عمرها عشر مرات في التعب والعمل كي تنتزع لقمتها النظيفة ، ولقم أولادها .


 أعرفها منذ سنوات . تشكل في مسيرة أيامي شيئاً لا غنى عنه  حين تدق باب البيت وتضع أشيائها الفقيرة في المدخل تفوح في رأسي رائحة المخيمات بتعاستها وصمودها العريق ، ببؤسها وآمالها ، ترتد إلى لساني غصة المرارة التي علكتها حتى الدوار وراء سنة .


 آخر ثلاثاء جاءت كعادتها ، وضعت أشياءها الفقيرة واستدارت نحوي :


- يا ابن عمي ، أريد أن أقول لك شيئاً . لقد ذهب سعد .



- إلى أين ؟


 - إليهم ؟


- من ؟


- إلى الفدائيين .

وسقط صمت متحفز فيما بيننا ، وفجأة رأيتها جالسة هناك ، عجوزاً قوية ، اهترأ عمرها في الكدح الشقي . كانت كفاها مطويتين على حضنها ، ورأيتهما هناك جافتين كقطعتي حطب ، مشققتتين كجذع هرم ، وعبر الأخاديد التي حفرتها فيهما سنون لا تحصى من العمل الصعب ، رأيت رحلتها الشقية مع سعد ، مذ كان طفلاً إلى أن شب رجلاً ، تعهدته هاتان الكفان الصلبتان مثلما تتعهد الأرض ساق العشبة الطرية ، والآن انفتحتا فجأة فطار من بينهما العصفور الذي كان هناك عشرين سنة .


 - لقد التحق بالفدائيين .


وكنت ما ازال انظر إلى كفيها . منكفئين هناك كشيئين مصابين بالخيبة . تصيحان من أعماقها تطاردان المهاجر إلى الخطر والمجهول .. لماذا ، يا آلهي ، يتعين على الأمهات أن يفقدن أبناءهن ؟ لأول مرة أرى ذلك الشيء الذي يصدع القلب على مرمى كلمة واحدة مني ، كأننا على مسرح اغريقي نعيش مشهداً من ذلك الحزن الذي لا يدواى .


قلت لها ، محاولاً أ ن أضيعها وأضيع نفسي :


 - ماذا قال لك ؟


 - لم يقل شيئاً . ذهب فقط ، وقال لي رفيقه في الصباح أنه ذهب إليهم .


 - ألم يذكر لك قبلاً أنه سيذهب ؟


 - بلى . قال لي مرتين أو ثلاث مرات أنه ينوي الالتحاق بهم .


 - ولم تصدقي آن ذاك ؟


- بلى . صدقت . أن أعرف سعد ، وقد عرفت أنه سيذهب .


 - فلماذا إذاً فوجئت ؟


- أنا ؟ لم أفاجأ . إنما أعلمك بالأمر . قلت لنفسي : قد تكون ترغب في معرفة أخبار سعد .


- ولست حزينة أو غاضبة ؟


وتحركت كفاها المطويتان في حضنها ، ورأيتهما جملتين قويتين قادرتين دائما على أن تصنعا شيئاً ، وشككت ان كانتا حقاً تنحوان ، وقالت :


- " لا . قلت لجارتي هذا الصباح : أود لو عندي مثله عشرة . أنامتعبة يا ابن عمي . اهترأ عمري في ذلك المخيم . كل مساء أقول يا رب ! . وها قد مرت عشرون سنة ، وإذا لم يذهب سعد ، فمن سيذهب ؟ "


وقامت ، ففاض في الغرفة مناخ من البساطة . بدت الأشياء أكثر ألفة ، ورأيت فيها بيوت الغبسية مرة أخرى ، ولكنني لحقت بها إلى المطبخ ، وهناك ضحكت وهي تنظر إلي ، وأخبرتني .  
-
" قلت للمرأة التي جلست إلى جانبي آنذاك في الباص ان ولدي أضحى مقاتلاً ( بدا صوتها ، بلا ريب ، مختلفاً ، ولذلك تذكرا ) قلت له أنني أحبه وسأشتاق له ، ولكنه جاء ابن أمه ..


 أتعتقد أنهم سيعطونه رشاشاً؟ "


 انهم يعطون رجالهم رشاشات . دائماً .


- " والطعام ؟ "


- يأكلون كفاية ، وكذلك يعطونهم السجاير .


 -  " ان سعد لا يدخن ، ولكنني متأكدة أنه سيتعلم ذلك هناك . يا نور عيني أمه ! أود لو كان قريباً فأحمل له كل يوم طعامه من صنع يدي " .


 - يأكل مثل رفاقه .


- "اسم الله عليهم جميعاً ."


وصمتت لحظة ، ثم أدارت وواجهتني :


- " أتعتقد أنه سينبسط لو ذهبت فزرته ؟ أستطيع أن أوفر أجرة الطريق ، وأذهب يومين إلى هناك ."


وتذكرت شيئاً ، فأكملت :


- أتدري ؟ ان الأطفال ذل ! لو لم يكن لدي هذان الطفلان للحقت به . لسكنت معه هناك . خيام ؟


 خيمة عن خيمة تفرق! لعشت معهم ، طبخت لهم طعامهم ، خدمتهم بعيني .


 ولكن الأطفال ذل ."


قلت لها :


- لا ضرورة لأن تزوريه هناك ، دعيه يتصرف وحده .


 ان الرجل الذي يلتحق بالفدائيين لا يحتاج ، بعد ، إلى رعاية أمه .


 ونشفت كفيها بمريولها ، وعميقاً في عينيها رأيت شيئاً يشبه الخيبة : تلك اللحظة المروعة التي تشعر فيها أم ما أنه صار بالوسع الاستغناء عنها ، انها طرحت في جهة ما كشيء استهلكه الاستعمال .


 ودنت مني تقول :


 - " أتعتقد ذلك حقاً ؟ أتعتقد أنه من غير المفيد أن أذهب إلى رئيسه فأوصيه به ؟ "


 وتحيرت قليلاً . مستشعرة التمزق ينهكها ، ثم سألت :


 - " ... أم تراك تستطيع أنت أن توصي رئيسه به؟ تقول له : دير بالك على سعد . الله يخليلك ولادك "


 وقلت لها :


- كيف ؟ ان أحداً لا يستطيع بالفدائي .


 - " لماذا ؟ "


- لأنك أنت تقصدين أن يتدبر رئيسه الأمر بحيث لا يعرضه للخطر . أما سعد نفسه ، ورفاقه ، فيعتقدون أن أحسن وصية بهم هي ان يرسلوا على الفور إلى الحرب ...


 ومرة أخرى جلست هناك ، ولكنها بدت قوية أكثر مما رأيتها أبداً ، وراقبت في عينيها وكفيها الخشنتين حيرة الأم وتمزقها وأخيراً قر رأيها :


 - " أقول لك ، لتكن توصيتك به إلى رئيسه أن لا يغضبه قل له : أم سعد تستحلفك بأمك أن تحقق لسعد ما يريد . انه شاب طيب ، وحين يريد شيئاً لا يتحقق يصاب بحزن كبير . قل له ، دخيلك ، ان يحقق له ما يريد .. يريد أن يذهب إلى الحرب ؟ لماذا لا يرسله ؟ " .

الحياة حلوة بس نفهمها
Jan 19 2009, 1:18 pm - Replied by: micha

Private Message

شكرا نغم ...هي أول مرة بقراها...

مؤثرة جدا خاصة أنو نحنا بوقت بحاجة فيه لكل كلمة مشجعة.......كلنا بحاجة للتشجيع والأمل

je suis ravie
Jan 19 2009, 10:13 pm - Replied by: Enas

Private Message

حلوة كتير


ومؤثرة أكتر


 

Jan 20 2009, 2:02 am - Replied by: k1shagory

Private Message

كتييييير رائعة


أجمل وأصدق حب بالعالم ((حب الأم))شكرا نغوووم


أأقول أحبك يا قمري ......أأأأه ...... لو كان بإمكاني
Jan 21 2009, 3:06 am - Replied by: Basel

Private Message

.. لماذا ، يا آلهي ، يتعين على الأمهات أن يفقدن أبناءهن ؟ لأول مرة أرى ذلك الشيء الذي يصدع القلب على مرمى كلمة واحدة مني ، كأننا على مسرح اغريقي نعيش مشهداً من ذلك الحزن الذي لا يدواى .


لا تعليق

اهواهُ منْ قالَ إنّي ما أبتسمتُ لهُ .. دنا فعانقني شوقٌ إلى الهربِ
نسيتُ من يدهِ أنْ أستردَّ يدي .. طالَ السلامُ و طالتْ رفّةُ الهدبِ

Jan 21 2009, 2:35 pm - Replied by: Wael

Private Message

الله ... حلوة كتير ...

شكراً نغم لأنو ذكرتينا فيها.. 


هذه العبارة خاطئة

Post Reply

*** Lifeboon ***